المقريزي
387
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
آخرون ، ومحي ما كتب على أبواب الجامع ، ونهب النّاس في المسجد والأسواق ، وأفطر الجند يومئذ « 1 » . وما زال أمر الشّيعة يقوى بمصر ، إلى أن دخلت سنة خمسين وثلاث مائة ، ففي يوم عاشوراء كانت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرّعيّة عند قبر كلثوم العلويّة ، بسبب ذكر السّلف والنّوح ، قتل فيها جماعة من الفريقين . وتعصّب السّودان على الرّعيّة ، فكانوا إذا لقوا أحدا قالوا له : من خالك ؟ فإن لم يقل معاوية وإلّا بطشوا به وشلّحوه . ثم كثر القول : معاوية خال عليّ « 2 » . وكان على باب الجامع العتيق شيخان من العامّة يناديان في كلّ يوم جمعة في وجوه النّاس من الخاصّ والعامّ - معاوية خالي وخال المؤمنين ، وكاتب الوحي ، ورديف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان هذا أحسن ما يقولونه وإلّا فقد كانوا يقولون : معاوية خال عليّ من هاهنا - ويشيرون إلى أصل الأذن - ويلقون أبا جعفر مسلما الحسيني ، فيقولون له ذلك في وجهه ، وكان بمصر أسود يصيح دائما : معاوية خال عليّ ، فقتل بتنّيس أيّام القائد جوهر . ولمّا ورد الخبر بقيام بني حسن بمكّة ، ومحاربتهم الحاجّ ونهبهم ، خرج خلق من المصريين في شوّال ، فلقوا كافور الإخشيدي بالميدان ظاهر مدينة مصر ، وضجّوا وصاحوا : معاوية خال عليّ ، وسألوه أن يبعث لنصرة الحاج علي الطّالبيين . وفي شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة ، أخذ رجل - يعرف بابن أبي اللّيث الملطي - ينسب إلى التّشيّع ، فضرب مائتي سوط ودرّة ، ثم ضرب في شوّال خمس مائة سوط ودرّة ، وجعل في عنقه غلّ وحبس ، وكان يتفقّد في كلّ يوم لئلا يخفّف عنه ، ويبصق في وجهه ، فمات في محبسه فحمل ليلا ودفن . فمضت جماعة إلى قبره لينبشوه ، وبلغوا إلى القبر ، فمنعهم جماعة من الإخشيدية والكافورية ، فأبوا وقالوا : هذا قبر رافضي . فثارت فتنة ، وضرب جماعة ، ونهبوا كثيرا حتى تفرّق النّاس . وفي سنة ستّ وخمسين ، كتب في صفر على المساجد ذكر الصّحابة والتّفضيل . فأمر الأستاذ كافور الإخشيدي بإزالته ، فحدّثه جماعة في إعادة ذكر الصّحابة على المساجد ، فقال : ما أحدث في أيّامي ما لم يكن ، وما كان في أيّام غيري فلا أزيله ، وما كتب في أيّامي أزيله . ثم أمر من طاف وأزاله من المساجد كلّها .
--> ( 1 ) الكندي : ولاة مصر 292 ، وفيما تقدم 2 : 116 . ( 2 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 : 146 .